محتويات الموقع

الأربعاء، 9 ديسمبر، 2009

العمران السناري.. احد أهم مظاهر الثقافة المادية لمملكة الفونج (1504 ـ 1821)م

العمران السناري..
احد أهم مظاهر الثقافة المادية لمملكة الفونج (1504 ـ 1821)م


فاتحة:
تعتبر فترة حكم الفونج (1504 ـ 1821)م من أهم الفترات التاريخية التي شهدها السودان، حيث مثلت منعطفا خطيرا في تاريخ الحضارة السودانية. وآية ذلك أنها ارتبطت بتحول كبير يتمثل في الانتقال من الحكم المسيحي الذي دام لحوالي عشرة قرون، إلى وجود مملكة إسلامية حقيقية استمر حكمها لأكثر من ثلاثة قرون. وقد انتهجت اللامركزية المطلقة في الحكم. وبالتالي فقد حدث نوع من الاستقرار والوحدة السياسية مهدت لنشر الدين والثقافية الحربية والإسلامية بصورة أعمق وشمل مما كان عليه الحال من قبل.
ولقد كان ميلاد دولة الفونج في سنار ميلاد لحيوية الإسلام وتجديداً لطاقته وهو في نفس الوقت ميلاد الشعب السوداني وتجديد خصائصه القومية في إطارها الحضاري العام. وكان عام 1504م هو اللحظة الحاسمة التي بلغ فيها تفاعل البشري والحضاري قمته، حيث تم التلاقح والتفاعل بين البشر والثقافات انتهى بهذا التكوين البشري الحضاري الفريد الذي ظهرت به دولة الفونج وشعب السودان، حيث انصهر العنصر العربي بالعنصر السوداني الإفريقي في بوتقة الحضارة الإسلامية لإخراج مجتمع جديد. وكان عمارة دنقس رمزاً للتكوين الجديد. وفي اسمه الدليل الحي على امتزاج العروبة في (عمار). بالإفريقية في (دنقس) والشاهد إذا أن السودان مع ارتباط جل أبنائه ارتباطا وثيقاً بالأمة العربية والإسلامية إلا انه مرتبط أيضا بتيار الكيان الإفريقي موطناً وعرقا. وهو إذا نتاج الزمان العربي والمكان الإفريقي. فجل أبنائه مسلمين ديناً وعرب ثقافة إلا أنهم كذلك هجن أفارقة تكوينا ووجوداً. على هذا النحو الذي أبدع في تصويره الشاعر الدكتور محمد عبد الحي في ديوانه: (العودة إلى سنار):
وفي البدء كان الاستقبال:
الليلة يستقبلني أهلي..
أهدوني مسبحة من أسنان الموتى
إبريقا، جمجمة،
مصلاة من جلد الجاموس
رمزاً يجمع بين النخلة والأبنوس
ثم كان البحث عن الهوية..
* افتحوا حراس سنار أبواب المدينة
افتحوا للعائد أبواب المدينة..
بدويٌ أنت..؟ لا
من بلاد الزنج ..؟ لا
أنا منكم تائه عاد:
يغني بلسان.. ويصلي بلسان..
وهكذا يمكن القول أن الحضارة السنارية مثلت فاصلة حضارية حاسمة في تاريخ السودان إذ عنى قيام سنار نهاية المد المسيحي وإعلان بداية الحقبة الإسلامية التي مازال المجتمع السوداني في أطرها وقوالب ثقافتها. ولم يكن قيام الدولة السنارية مجرد انقلاب سياسي أو تحول اقتصادي أو مجرد تغير فكيري وثقافي، وإنما كان انقلابا حضارياً بكل معاني ومضامين الانقلاب الحضاري، ونقلة هائلة من اثر نظام جاهلي وثقافة انحطاط، إلى حركة مدينة وثقافة فاعلة ومغايرة تماماً. ومع أن الحقبة السنارية تمثل الأساس المتين الذي يتركز عليه المجتمع السوداني في مقوماته الاجتماعية والثقافية، إلا أن النظرة الفاحصة لمناهج التاريخ والتربية والثقافة في الجامعات والمدارس تكشف عن الإهمال المتعمد لتاريخ هذه الحقبة، حيث لم يتعرض لها المنهج الدراسي إلا لماماً وبصورة شكلية وسطحية، هذا مع العلم بأن هذه الحقبة هي الأطول من الناحية الزمنية، حوالي ثلاثمائة وسبعة عشر عاماً، مقارنة بمائة وخمسة وثلاثين عاماً هي عمر الحقب الأخرى من تركية ومهدية واستعمارية، هذا بجانب كونها تمثل حقبة الانقلاب والتغيير النوعي الكبير في تركيب وصياغة الشخصية السودانية.
الثقافة المادية لملكة الفونج:
تذخر مملكة الفونج بالعديد من الأدلة الأثرية والمادية، وتتنوع هذه المخلفات فتمثل العمارة المدنية كالقصور والمنازل، والعمارة العسكرية كالقلاع والحصون، والعمارة الدينية، وتشمل المدافن كالقباب والأضرحة وغيرها. بجانب أدوات الحياة اليومية المختلفة. إلا أن المعلومات عن كل ذلك قليلة بسبب ضعف الأعمال الأثرية والاثنوغرافية وقلتها في أهم المواقع والمدن الفونجية ولهذا فان معظم المعلومات عن الثقافة المادية لمملكة الفونج قد جمعت من كتابات الرحالة والمؤرخين الذين زاروا سنار منذ القرن السادس عشر وحتى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي. مثل داؤود روبين 1522م ، وأوليا شلبي: 1671م وشارلس بونسية 1698م وسيورو كرمب 1703م وجيمس بروس 1722م، وبركهارت 1814م ، وغيرهم وقد وصفوا قصور ومباني مملكة الفونج، هذا بالإضافة إلى الروايات التاريخية والشفاهية التي كتبت بواسطة بعض المعاصرين لدولة الفونج ومنها كتاب الطبقات ود ضيف الله، ومخطوطة كاتب الشونة لأحمد ابن الحاج أبو علي وغيرهم. وهذه الاشارت وغيرها مع قلتها، وطبيعتها التاريخية، بجانب أعمال المسح الأثري، قد وفرت لنا معلومات لأمة عن طبيعة المخلفات المادية للملكة الفونج والتي تمثلت في: عمارة المدنية، العمارة الدينية، العمارة العسكرية، والأدوات.
أولاً: العمارة المدنية:
المدن:
كان لطرق القوافل وقيام دولتي الفونج والعثمانيين اثر كبير في نمو وتطور التجارة والمدن، وقد أدت هذه المدن الدور التجاري والإداري لسكانها وسكان المناطق المجاورة. ومن أهم مدن الفونج:
1. سنار:
تقع مدينة سنار على الضفة الغربية للنيل الأزرق جنوب محطة ود الحداد والى الشمال من سنار المدينة العاصمة الإدارية والملكية والتجارية. أسست كما ورد في المصادر عام 1504م واستمرت عاصمة السودان حتى عام 1821م، وهي مكان لالتقاء طرق القوافل ومكان لاستقرار الحجيج خاصة الفلاتة القادمون من نيجرية وقبائل غرب افريقية عموماً.
وترجح الروايات ابن سنار اسم لجارية كانت أول من سكن المنطقة ثم عمرت وأصبحت مقراً لأحد نواب عمارة دنقس (1505 ـ 1534)م. وقد اختطها هذا الأخير متخذاً منها عاصمة له. ونتيجة لتلاقح التيارات البشرية والمختلفة وتكامل جهودها ثم إقامة صرح سياسي جديد توحدت فيه مملكة العبدلاب وأراضي سلطنة الفونج وما أضيف إليهما من ديار البجة في الشرق وأجزاء كبيرة من كردفان في الغرب، وبهذا أصبح الصرح الجديد اكبر نطاق جغرافي متحد في وادي النيل الأوسط منذ مملكة مروي. وهكذا صارت سنار مدينة لا يستهان بها لها علاقات مع أجزاء من إفريقيا وأجزاء من بلاد آسيا مثل الهند والجزيرة العربية، وغدت قوة ضاربة لنشر الإسلام والعلم في البلاد. كما استفادت من التراث المعماري لدى سكان الشمال الموغل في التاريخ. وبالجملة قد عمرت الديار عماراً عظيماً حتى أصبحت قبلة لكل محتاج لعلم أو رزق أو حماية. وبذلك نورد مخطوطة كاتب الشونة أحمد ابن الحاج أبيات للشيخ عمر المغربي مادحاً السلطان: بادي الرابع (1643 ـ 1678)م:
أيا راكبا يسري على متن ضامر
إلى صاحب العلياء والجود والبر
لك الخيرات أن وافيت سنار قف بها
وقوف محب وانتهز فرصة العمر
والق عصا التسيار في صرح أنسها
تجد كل ما تهوى النفوس من الأمر
وفي قصيدة أخرى للشيخ المغربي شيء عن جمال سنار وهيئتها وعمارها ندخل به لمناقشة أمر العمران بالمملكة:
لك الخيرات أن وافيت سنار قف بها
وقوف محب ذي وفاء وذمة
وصابح رعاك الله طيب نسيمها
ومنظرها الباهي بأجمل هيئة
وعرج على قصر العزيز مليكها
جميل المحيا زين كل قبيلة
وفي سياق متصل، لقد بلغت دولة الفونج شأن رفيعا في التجارة والرخاء الاقتصادي خاصة في عهد الملك المذكور وبلغت تجارتها الهند ومصر والجزيرة العربية وأجزاء واسعة من إفريقيا وكانت للحريات التي إتاحتها الدولة وسياسة الانفتاح الكبير الأثر على ذلك الازدهار. وآية ذلك أن الدولة لم تقف عند قضية دين أو نوع لتشكل حاجزاً أمام التجارة، حتى أن امرأة يقال لها: فاطمة بنت سالم، وهي زوجة عمار بن عبد الحفيظ خطيب وأمام مسجد سنار، وعاشت في الرب الأخير من القرن السابع عشر، كانت من سيدات الأعمال بالمدينة ومن أغنى تجارها. وكانت تستورد البضائع من مصر والهند وتصدر إليهما في نفس الوقت. ومن الهند استوردت الدولة الحرير والصندل والتوابل وخشب السُرتي المستورد من مقاطعة سرات الشهيرة بالهند. وكذلك العطور والفركة السُرتية وغيرها، وصدرت الذهب والعاج والضفر.
وليعلم القارئ أن سنار كانت اقرب لأن تكون أعظم مدينة تجارية في إفريقيا. وآية ذلك أن القوافل التجارية ترد إليها من القاهرة ودنقلا ودارفور وبرنو وبلاد النوبة ومن وراء البحر الأحمر ومن الهند وأثيوبيا وغيرها، فهي مدينة كبيرة تقطنها وتتردد عليها مجموعات من كل الأجناس والأديان دون أي صعوبة، وتأتي بعد القاهرة من حيث كثافة السكان، وفيها سوق كبير تفتح أبوابه على مدار أيام الأسبوع، وتباع فيه أنواع البضائع المختلفة كالأواني والأقمشة وسن الفيل والإبل والخيل والحمير والحطب والبصل والتمر وغيرها من السلع. ولعل الدولة استفادت من ميناء سواكن للتجارة مع الجزيرة العربية والانفتاح على آسيا.
ولعل من الأسباب التي أدت إلى عدم وجود أثار قائمة في سنار اليوم هي أن هذه المدينة نكبت ثلاثة مرات: الأولى، عندما نقلت المدينة إلى موقع جديد شمال المدينة القديمة وذلك بعد دخول الأتراك عام 1821م، وكذلك نقلت المدينة مرة أخرى إلى موقع سنار التقاطع حالياً بعد إنشاء ترعة مشروع الجزيرة. بينما المرة الثالثة كانت عندما أنشئت مدينة سنار في بداية العشرينات من القرن العشرين وذلك بقيام خزان سنار وخط حديد الدمازين، حيث كانت الدولة تقوم بنقل مؤسساتها ثم يتبعها المواطنون لارتباط مصالحهم بتلك المؤسسات.
2. اربجي:
وتقع على الضفة الغربية للنيل الأزرق على بعد 150 كلم جنوب الخرطوم و3 كيلومترات جنوب شرق الحصاحيصا. وتم تأسيسها عام 1470م أي قبل سنار، وحسب الطبقات: خطت اربجي قبل سنار، خطها حجازي بن معين وتبلغ مساحة الموقع (1000×700)م وقد زارها العديد من الرحالة مثل شلبي التركي وجيمس بروس وتحدثا عن دورها كمركز ادراي للعبدلاب، كما أنها تعتبر الحد الفاصل بين نفوذ وسيطرة ملوك الفونج في سنار ووكلائهم العبدلاب في قري. وكان الموقع حتى السبعينات من القرن الماضي عبارة عن تلال منخفضة تغطيها بقايا الفخار والأدوات الحجرية. وقد وضح من البحث الأثري وجود مدينة تعود إلى ما قبل التاريخ المذكور. كما وجدت إلى الشمال من هذه التلال المدافن والتي بها ثلاث قباب من الطوب الأخضر ويقال أنها للشيخ أبو سنينة والشيخ أبو زيد كذلك عثر في الموقع على طريق عرف بـ درب الجمل كان بمثابة طريق سير القوافل التجارية.
3. قري:
وتقع على الضفة الشرقية للنيل على بعد 55 كلم شمال الخرطوم وقد ارتبط تأسيسها بالعبدلاب حلفاء الفونج قبل إتحادهم في عام 1505م حيث كانت العاصمة السياسة لتجمع القبائل العربية بقيادة العبدلاب. كما كانت في فترة من الفترات مركزاً لجمع الضرائب من القوافل التجارية القادمة من مصر وسواكن وقد وصفها كرمب عند زيارته لها عام 1703م بأنها عبارة عن مجموعة من المنازل تحيط بقصر الحاكم. ووصف كذلك مجلس السلطان والطقوس التي تتم به وذكر الرحالة جيمس بروس أن منازلهم وصلت إلى مائة وأربعين منزلاً كما أشار إلى عدم وجود حوائط تحيط بالمدينة. وقد بنى بعض تلك المنازل على قمم الجبال المسطحة أو في الأراضي السهلية المحصنة. وقد تم العثور في احداها على قطع فخار وعظام وأماكن المواقد بالإضافة إلى حجر الرجي. كما وجدت المدافن على هضبة صخرية من أشهر قباب هذه المنطقة قبة الشيخ عجيب المانجلك زعيم العبدلاب وابن عبد الله جماع.
4. البس (الكوة):
وتقع على الضفة الشرقية للنيل الأبيض على بعد 65 كلم شمال مدينة ربك وقد كانت من أهم مشيخات العبدلاب على النيل الأبيض. ورد ذكرها في مخطوطة كاتب الشونة حيث ذكر بأنه بعد أن هزم الفونج قبائل الشلك التي كانت تسيطر على النيل الأبيض وتشكل بغاراتها المتكررة خطراً كبيرا على المجموعات العربية التي تنسكن الجزيرة، احتلوا معبر البس (الكوة) وهو موقع استراتيجي هام يضمن لهم السيطرة على تحركات الجيوش والقوافل التي تعبر النيل الأبيض إلى كردفنا. ومن المعروف أن هذا المعبر مازال مستخدما حتى اليوم بواسطة الناقلات المتجهة إلى غرب السودان.
أما العمل الأثري في الموقع فقد قامت به بعثة مشروع النيل الأبيض من كلية التربية جامعة الخرطوم بالاشتراك مع قسم الآثار بالجامعة في موسم عام 1998م حيث تم إجراء مسح اثري وتنقيب، وقد عثر على قطع أثرية وبعض القطع الفخارية وأدوات الزينة التي تعود لفترة مروي.
5. مدن أخرى:
كذلك نجد هنالك بعض المدن التي انشأها الفونج وأخرى كانت موجودة أصلا، فأدخل فيها الفونج بعض الإضافات في شكل ومحتوى المباني مثل: الدامر وهي مركز تجاري وديني، وأبو إحراز والتي كانت احد المراكز الدينية في فترة الفونج ولازالت تمثل أحد المراكز الدينية في وسط السودان، وجبل موية التي ذكرها صاحب الطبقات كمكان استقرار مؤقت للفونج قبل قدومهم لسنار. كذلك نجد حلفاية الملوك التي تقع على بعد 4 كلم شمال الخرطوم والتي انتقل إليها العبدلاب في مطلع القرن الثامن عشر بعد أن كانت عاصمتهم في قري شمالاً.
أما في الشمال فنجد بعض المدن التي قامت منذ فترات مبكرة واستخدمها الفونج كمراكز إدارية مثل: ود نميري والخندق ودنقلا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المؤلف

صورتي
عطبرة, نهر النيل, Sudan
مؤرخ وأستاذ مادة التاريخ بالجامعات السودانية