محتويات الموقع

الأربعاء، 9 ديسمبر، 2009

لاهاي والشأن السوداني 22 يوليو 2009م

مرحى دروب السلام والتنمية
لاهاي والشأن السوداني 22 يوليو 2009م



(أ)
مرحى دروب السلام والتنمية
الجبلين ـ الرنك ـ ملكال
يا الفي الجنوب حي الشمال

سندق الصخر حتى يخرج
الصخر لنا زرعاً وخضرة
ونروم المجد حتى يحفظ
الدهر لنا اسما وذكرى
توطئة:
تحولت بوصلة المنجز في البلاد خلال التسعينات من القرن الماضي وما بعدها إلى 180 درجة. وهي فترة تقاس معطياتها وفق مردود التنمية وصعود مؤشر الرقي والرفاهية. فبعد مشاكسات سياسية وانهيار تام في البنى التنموية وصراعات قبلية وتناحر فكري، عصفت بجغرافية السودان، انقلبت الصورة إلى مستوى آخر أدهش المراقبين الاقتصاديين بتسجيل معدلات نمو فاقت ما هو مسجل للدول مرتفعة النمو في السجل العالمي. وكان ذلك نتاجاً للسياسات الرشيدة والاحتكام إلى مقومات التنمية البشرية والتسخير العلمي للمقومات الطبيعية الحقة. والشاهد أن التنمية التي شهدتها البلاد في الفترة المذكورة آنفاً هي سجل حقيقي لكفاح جيل يلقي ببصيرته نحو الريادة والسيادة.
وتعتبر الطرق والجسور بمثابة الشرايين التي تضخ التنمية إلى كل البقاع والمناطق. والسودان الذي تمتد أراضيه إلى مليون ميل مربع في حاجة ماسة إلى بنيات تحتية قوية ذات أبعاد متعددة ترتبط بحياة المواطنين وتعمل على تلاقح الانتماءات المختلفة في بوتقة واحدة. وهذه الطرق تعمل على ردم الهوة الشاسعة بين الأطراف النائية وتساهم في تنشيط الحركة التجارية داخل الوطن الواحد، ومن ثم المساهمة في ازدياد حركة الصادرات والواردات والتعريف بإمكانيات السودان في كل مناطقه.
والشاهد انه بلد تبلغ مساحته مليون ميل مربع، كان لابد من الاهتمام بتشييد الطرق البرية لما لها من فوائد اقتصادية متعددة في خدمة مشاريع التنمية. ولهذا أولت الدولة أهمية قصوى لهذا الجانب والذي شمل جملة الولايات بلا استثناء مما كان له الأثر الكبير في إحداث تنمية متوازنة في ولايات البلاد كافة.
بدأت مسيرة تشييد الطرق في العام 1991م وذلك باكتمال تشييد طريق: كوستي ـ تندلتي بطول (116) كلم ثم طريق تندلتي ـ أم روابة ـ الأبيض بطول (191) كلم وبهذا اكتمل طريق كوستي ـ الأبيض بطول (277) كلم وبحلول عام 2007م تم انجاز طريق عطبرة ـ مروي بطول (262) كلم ليربط بين ولاية نهر النيل والشمالية وفي العام 2008م اكتمل تشييد طريق عطبرة بورتسودان بطول (478) كلم ليربط ولاية البحر الأحمر بولايات نهر النيل والشمالية والخرطوم.
طريق السلام: الجبلين ـ الرنك ـ ملكال (492) كلم وتعزي أهمية هذا الطريق لعاملين أساسيين:
العامل الأول: ويتمثل في طبيعة التي يخترقها وما تزخر به من موارد.
1. منطقة الجبلين ـ الرنك:
تقع المدينتان على الضفة اليمنى الشرقية للنيل الأبيض وبالرغم أن الجبلين تتبع لولاية النيل الأبيض والرنك من مدن أعالي النيل، إلا أن النشاط البشري في المدينتين متشابه، ويتمثل في الزراعة التقليدية والزراعة الآلية غير المخططة وتربية الحيوان. وقد اتجهت الحكومة لاستصلاح أراضٍ زراعية في الرنك وإقامة مشروع تستخدم فيه التقنية الزراعية لزراعة بعض المحاصيل النقدية وأهمها: القطن قصير التيلة، بجانب (الذرة الرفيعة)، والمنطقة صالحة لزراعة قصب السكر وهو مصدر لصناعة السكر.
2. ملكال: وهي عاصمة ولاية أعالي النيل، وتقع شمال التقاء نهر السوباط ببحر الغزال أي عند بداية مجرى النيل الأبيض، وعلى الضفة اليمنى (الشرقية) منه. ويتمثل النشاط البشري في الزراعة التقليدية لسد حاجة الإنسان للغذاء في تلك المناطق، كما تسود حرفة الرعي وتربية الأبقار. ولقد أصبحت المنطقة حالياً من مناطق إنتاج البترول ومن أهم حقولها حقل (عداريل).
والشاهد أن السلام الحقيقي هو الذي يأتي بمثل هذه المشاريع التنموية التي تسهم في تحسين أوضاع الإنسان وهي بذلك تعتبر من أهم ثمرات السلام، لأن المناطق التي يخترقها الطريق زراعية بالدرجة الأولى وتنقصها فقط الطرق التي ستسهم في نقل البضائع من المنطقة، ونقل مدخلات الإنتاج إليها، حتى لا تذهب جهود المواطنين هدراً. وبطبيعة الحال ستستفيد البلاد كلها من الزراعة في هذه المنطقة. وآية ذلك أن الزراعة هي بترول السودان الذي لا ينضب، ان تم استغلال هذه المساحات الشاسعة من الأراضي في الزراعة ومضاعفة الإنتاج.
العامل الثاني: يعتبر طريق السلام من أهم مشروعات التنمية، وآية ذلك انه سيربط بين مواطني الولايات في الشمالية والجنوبية في منطقة التماس، محققاً بذلك التواصل بين شطري القطر. وفوق ذلك وذاك فانه من الطرق التي تربط السودان شماله وجنوبه بدول الجوار، بل سيكون رابطاً لكل القارة الأفريقية، إذ من الممكن أن تذهب حتى Cape Town بجنوب إفريقيا كعمل تنموي يربط كل الأطراف في القارة ويساهم بالتالي في تطوير حياة السكان فيها بالتواصل بين كل مكوناتها ونقل التجارب المفيدة، إضافة إلى نقل البضائع وتسويقها مما يسهم في التطور والتقدم الاقتصادي في القارة بأسرها.
والشاهد أن هذا الطريق الذي يجسد الشمال بالجنوب من الجبلين حتى ملكال يعتبر واحداً من أهم الطرق التي يمكن أن تحقق الكثير للمواطنين شمالاً وجنوباً، وهذا كطريق حيوي كان من أولويات وخطط وزارة الطرق والجسور منذ بداية ستينات القرن الماضي. وقد شرع الآن في تنفيذ المرحلة الثانية من الطريق من الرنك وحتى ملكال بطول (395) كلم وإذا أضفنا ما تم انجازه من الطريق بين ربك الجبلين بطول (166) كلم يصبح إجمالي طريق ربك ملكال (561) كلم هذا وقد قام صندوق دعم الوحدة بتوفير مبلغ 22 مليون دولار هي عبارة عن مقدم العقد في جملة التكلفة الكلية لهذا المشروع الحيوي، والبالغ قدرها (220) مليون دولار وسيعمل الصندوق على دعم كل مشروعات التنمية التي يمكن أن تربط بين ولايات السودان المختلفة، وسوف يقدم الصندوق كذلك مع ولايات التماس العشر، التي يعمل بها الآن بالعمل في مدينة ابيي في شبكات الطرق والكهرباء ودعم العمل الصحي والتعليمي بها. ويأتي هذا الجهد في العمل التنموي الذي انتظم ولايات السودان كافة، في السعي لربطها بشبكات الطرق والكهرباء وتقديم خدمات المياه والصحة والتعليم لكل أرياف السودان ومناطقه النائية وان كانت فرحة المواطنين بمثل هذه المشروعات كبيرة، فان التنفيذيين سيكونون أكثر سعادة برؤية هذه المشروعات تحقق الاستقرار وتساهم في العمل التنموي.
وزير الطرق بحكومة الجنوب قال: ان هذا الطريق، طريق السلام، هو بداية العمل الجاد في التنمية بجنوب السودان بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل في يناير 2005م ويمتاز بأنه سيربط بين أطراف البلاد المختلفة ويحقق الوحدة الحقيقية، بينما سيجد المواطنون سهولة الحركة والتنقل والاستفادة بالتالي من مناخ السلام. وسلام وألف سلام يا عمران.

(ب)
لاهاي والشأن السوداني 22 يوليو 2009م
عين على الماضي وأخرى على المستقبل
أبيي:
الزمكان:
تمثل منطقة ابيي واحدة من أهم مناطق التداخل والتعايش بين المجموعات العرقية بالبلاد. وقد حفظ التاريخ لهذه المجموعات : دينكا نقوك والمسيرية، حقوقاً تاريخية في علاقتهم بالموارد والنظم الإدارية الأهلية، وكذلك التبعية الإدارية لإقليم كردفان. ولأهمية هذه المنطقة وحساسيتها البالغة كمنطقة تماس وتداخل فقد خصتها اتفاقية نيفاشا يناير 2005م ببرتوكول ابيي، جبال النوبة، وبرتوكول جنوب النيل الأزرق (منطقة الانقسنا). هذا وقد عرّف البرتوكول أبيي المنطقة بأنها منطقة مشيخات دينكا نقوك التي حولت إلى كردفان عام 1905م وهي تمثل الحد الفاصل بين الشمال والجنوب والموروث منذ الاستقلال يناير 1956م، وعليه فإن منطقة ابيي تقع في الجزء الجنوبي الغربي لجنوب كردفان عند حدود الإقليم مع بحر الغزال، وهي عبارة عن سهول ممتدة تتخللها انهار أهمها بحر العرب والمنطقة تتبع إداريا لولاية جنوب كردفان ولكنها تمتد جغرافياً إلى داخل بحر الغزال في الجنوب ولهذا فان سكانها خليط من قبيلتي المسيرية ودينكا نقوك.
وعلى صعيد الاقتصادي، رغم أن ابيي هي عبارة عن مثلث غني بالنفط والغاز الطبيعي والمعادن والمياه، إلا أن سكانها يمتهنون نمط الاقتصاد التقليدي الزراعي المطري والرعي المتنقل. والشاهد أن المنطقة تحفل بثروات مختلفة تتمثل في الأتي:
1. الوجود الكثيف للثروة الحيوانية
2. مشاريع الزراعة الآلية بمنطقة تاما
3. الزراعة التقليدية لإنتاج الحبوب والفول السوداني والكركدي والبطيخ
4. المنتجات الغابية
5. حقول البترول
خلفية النزاع:
المعروف أن الصراع بين المسيرية ودينكا نقوك في ابيي، كان في الماضي احتكاكاً طبيعياً حول مصادر الرزق، كما هو الحال في دارفور. وهي أشياء تحدث في غير مكان في السودان وحتى بين القبائل التي تنحدر من عنصر واحد، فنجده أحيانا يحدث في منطقة واحدة وبين أفراد القبيلة الواحدة. ولكن أحداثا دفعت بالصراع في ابيي وحولها إلى جهة أضحى صراعاً ذا طابع سياسي، حاملاً معه العوامل القديمة والمستجدات الحديثة. ولقد حمل هذا الصراع الوجه القديم المتجدد بين الجنوب والشمال في ابيي، بغض النظر عن الأسباب التي غزته تاريخياً، وتذكى ضرامه حالياً.
لقد ظلت الصراعات القبلية تتجدد بين الحين والآخر، إلا أن دخول الحركة الشعبية طرفاً في النزاع مثل تطوراً دراماتيكياً في مجرى الصراع، وآية ذلك انه اتخذ شكلاً أكثر تعقيداً وأكثر تنظيماً . وظهرت لدى الطرف الأخر المسيرية كرد فعل ما عرفت (بقوات المراحيل) وقوامها بعض أبناء المسيرية الذين ذهبوا للدفاع عن أهلهم في ابيي ضد دينكا نقوك والذين سلحتهم الحركة الشعبية بالأسلحة الحديثة. وبذلك أصبح الوضع يتراوح بين سلام منقطع وحرب لا تلبث أن تراوح مكانها، حتى جاءت اتفاقية نيفاشا في يناير 2005م لتخص المنطقة ببرتوكول خاص. ولكن ذلك لم يمنع المنطقة من العودة مجدداً وبعد ثلاثة سنوات من التوقيع على الاتفاق.. إلى الحرب التي جعلت من ابيي أثراً بعد عين، وان كان من المنتظر أن يكون الخلاف قد وصل أخيرا إلى محطة السلام بعد اتفاق شريكي الحكم في يونيو 2008م على عودة النازحين إلى ابيي وفق ترتيبات أمنية وأخرى إدارية تفضي إلى حل نهائي للصراع. ثم كان الاتفاق على اللجوء إلى محكمة التحكيم الدولية الدائمة بلاهاي والتي نأمل أن تكون قراراتها التي صدرت في 22 يوليو 2009م، قد جاءت بالحل العادل والدائم للنزاع.
قرارات لاهاي: 22 يوليو 2009م :
كانت لاهاي عيناً على الماضي وأخرى على المستقبل وهي تصدر قراراها التاريخي. وآية ذلك انه فيما يتعلق بالحدود: فقد أمنت على بقاء الحدود الجنوبية للمنطقة كما هي بلا تغيير أو تعديل. أما بالنسبة للحدود الشرقية والغربية فقد بقيت طبقاً لترسيم يناير 1956م وهذا يعني أن مساحات غنية بالنفط ستكون تابعة للشمال. وأهمها حقل هجليج وهكذا اختار القرار طريقاً وسطاً للوصول لترسيم الحدود لا يمثل ما كان يتطلع إليه كل طرف. كما أقرت المحكمة وثبتت قضايا مهمة مثل حقوق الرعي داخل الوحدة الإدارية وخارجها شمالاً أو جنوباً.
وعلى صعيد المستقبل فان القرار النهائي سيكون لأهل المنطقة، سواء الانضمام للجنوب أو البقاء في الشمال من خلال الاستفتاء الذي سيجرى في نهاية عام 2011م والذي سيشارك فيه المسيرية جنباً إلى جنب مع الدينكا.
وبالقرار كسبت الحكومة وقبيلة المسيرية. عائدات اغلب النفط في منطقة ابيي وأهمها حقل هجليج، بينما كسبت الحركة الشعبية ودينكا نقوك حقل دفرة وهو اقل إنتاجاً من هجليج. وكسب السودان السلام والاستقرار وهذا هو الأهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المؤلف

صورتي
عطبرة, نهر النيل, Sudan
مؤرخ وأستاذ مادة التاريخ بالجامعات السودانية