محتويات الموقع

الأربعاء، 9 ديسمبر، 2009

من أرشيف العمران.. العنج... الأبواب ... أتبرا

من أرشيف العمران
العنج... الأبواب ... أتبرا
شعب غامض وعمران مختلف عليه


توطئة:
ازدهرت في العصور الوسطى مملكتان مسيحيتان في السودان. عرفت الأولى باسم مملكة المقرة. والثانية باسم مملكة علوة، امتدت الأولى من الشلال الثالث وحتى منطقة كبوشية الحالية، وكانت عاصمتها دنقلا العجوز. وامتدت الثانية من الحدود الجنوبية لمملكة المقرة إلى أعالي جزيرة سنار وكانت عاصمتها مدينة سوبا على الضفة اليمنى للنيل الأزرق (الشرقية) وعلى بعد 15 ميلاً جنوب الخرطوم، ويطلق المؤرخ نعوم شيفر على مملكة المقرة (النوبة السفلى) وعلى مملكة على علوة (النوبة العليا) وهي المعروفة في السودان بمملكة العنج، وقد استمرت المملكتان في حكم السودان قرابة الألف عام، منذ القرن السادس الميلادي وحتى القرن السادس عشر الميلادي. فمن هؤلاء العنج الذين سماهم د. عون الشريف قاسم: بأصحاب علوة المسيحية؟
العنج : أو الشعب الغامض:
الحقيقة أن العنج من الأسماء القليلة في تاريخ السودان التي لا تكاد تعرف لها مسمى، وإنما وصل إلينا هذا الاسم نتيجة لسؤال السكان، وهم عادة من العرب، عن ما كان قبلهم في البلاد، وممن ورثوا الحكم فيها؟ فيكون ردهم: بأنهم قد استولوا على البلاد من العنج والظاهر أن لفظة عنج ليست كلمة معناها: السكان الأصليين، بل كلمة تدل فعلاً على جماعة أو شعب قديم خضع بالتدريج للنفوذ المفروض بواسطة المهاجرين المتأخرين نسبياً. وبعد سقوط سوبا عاصمة دولة علوة المسيحية في أول القرن السادس عشر الميلادي، أطلق على العنج اسم القدماء أي السابقين للفونج. وآية ذلك ما ذكره المؤرخ مكي شبيكة: أما العنج فهو لفظ يطلقه السكان في السودان على المجتمع الذي كان قائماً من قبل تأسيس دولة الفونج على حوض النيل وكردفان، والشاهد أن ذكر هذا الشعب يرد بصورة متكررة في التراث الشفاهي والمخطوطات الوطنية التي تؤرخ لنهاية مملكة علوة وظهور الفونج، والإشارات للعنج تضعهم في الفترة المسيحية المتأخرة بعد سقوط دنقلا وإسلامها في النصف الأول من القرن الرابع عشر الميلادي، وقبل ظهور دولة الفونج في أوائل القرن السادس عشر الميلادي.
وحسب نعوم شقير انه يؤخذ في التواريخ التقليدية انه قامت في شرقي النيل الأزرق مملكة عرفت بمملكة العنج، وبقيت على النصرانية نحو ألف سنة. ويضيف بأن عمارة دنقس وعبد الله جماع حاربا النوبة ثم نزعا الملك من أيدي العنج.
أما المؤرخ يوسف فضيل فيشير إلى العنج بأنه اسم إحدى القبائل التي كانت تسكن مملكة علوة وعم انتشار اللفظ حتى أصبح يطلق على كل الشعوب التي تسكن السودان. ومع ذلك كله فان المرء ليجد فصلاً دقيقا بين الفظتين في الروايات الشعبية، إذ يطلق لفظ النوبة على عامة السكان، بينما تطلق كلمة العنج على سكان مملكة علوة عامة وملوك سوبا خاصة. وهو ما تؤكده المخططات الوطنية.
وحسب مكي شبيكة، فان السودانيين يذكرون لفظة العنج (الانج) كثيراً ويطلقونها على الشعوب التي كانت تقطن البلاد قبل دخول العرب خاصة في السودان الأوسط وفي كردفان والصورة التي تبدو في أذهانهم عن هؤلاء القوم هي أنهم أصحاب حضارة راقية بدليل الحفائر الموجودة الآن في بعض الأماكن ويشيرون إليها بأنها حفائر العنج. وقد رأيت سلسلة منها في المرحلة الثالثة من مشروع المنال قبل أن يخطط للزراعة، ولا يتضح لنا فيما ذا كانت ترجع للعهد المسيحي أو العهد المروي.
العنج ومملكة الأبواب:
ظهرت في أواخر العهد المسيحي (القرنين الثالث عشر والرابع العشر) مملكة باسم (الأبواب) وقد كانت في بداية أمرها تابعة لعلوة وعليها والى من قبل صاحب علوة. ويعتقد أن هذه الولاية كان مركزها في المنطقة بين الشلالين الرابع والخامس. ومن الراجح أن مملكة الأبواب في أواخر أيام مملكة علوة وحلت مملكة الأبواب محلها في السيطرة على التجارة الخارجية لسودان ذلك العهد.
والشاهد انه بظهور العنج وتكوين دولة لهم في المنطقة الشرقية وسيطرتهم على ميناء سواكن وعلى الطرق التجارية المؤدية إليها وتحويل مصبات التجارة وطرقها بعيداً عن هيمنة ملك الأبواب، فإن الصراع بين العنج ومملكة الأبواب يصبح محتما والذي يبدو انه حسم لصالح العنج، وآية ذلك انه يمكننا أن نحدد بداية سيطرة العنج على منطقة الأبواب في فترة ما بين (1317 ـ 1367) حيث كانت في التاريخ الأول مازالت مملكة نوبية، وفي التاريخ الثاني كان العنج مسيطرون عليها وعلى أراضيها ولهم فيها سرايا تحفظ النظام. وهكذا يفترض بحلول منتصف القرن الرابع عشر كان العنج قد فرضوا سيطرتهم على مملكة الأبواب.
الموقع الجغرافي (للأبواب):
لا يزال الموقع الجغرافي للأبواب موضع جدل ومكان خلاف بين دارسي الفترة المسيحية في السودان وينحصر الخلاف حول ثلاثة مواضع للأبواب:
1. الرأي الأول بان الأبواب هي المنطقة بين كريمة وأبو حمد
2. الرأي الثاني يقول بأن الأبواب: هي المنطقة حول كبوشية
3. الرأي الثالث بأنها المنطقة بين الشلالين الرابع والخامس.
والراجح بان هذا الخلاف نتج عن التفسيرات المختلفة للإشارات الواردة في أربعة مصادر اعتمد عليها المؤرخون في تحديد موضع الأبواب. وهذه المصادر يمكن ترتيبها كالأتي:
1. المصدر اللغوي لكلمة (باب /أبواب) واستعمالاتها المختلفة
2. المصادر الوطنية وعلى رأسها كتاب (طبقات ود ضيف الله)
3. إشارات المؤرخين العرب في العصور الوسطى للأبواب في كتاباتهم عن منطقة النوبة ومملكة المقرة المسيحيين.
4. البيانات والمعطيات الأثرية.
ويمكننا في البادية إسقاط الرأي الذي يقول بان الأبواب هي ذلك الجزء الصخري من النيل وأبو حمد، وهو رأي يعتمد أساسا على المصدر اللغوي لمعنى الأبواب بمعنى شلالات، وآية ذلك أن الأبواب في الأساس وصف جغرافي معروف للمضايق بين الشلالات. وهذا يجعل من الأبواب تسمية واردة في أي منطقة بين الشلالات يندفع منها الماء من أبواب محددة.
وبالنظر للرأي الذي يزعم بان الأبواب هي كبوشية (منطقة الجعليين) نقول انه ضعيف وآية ذلك استناده على مصدر واحد وهو كتاب الطبقات وأول ما نلاحظه أن الإشارة للأبواب في الطبقات جاءت في مواضع مرتبطة بعلماء من منطقة والشايقية نزحوا جنوباً وقد درج الشايقية على إطلاق لفظة الأبواب على المنطقة التي تقع جنوبهم من مقرات وحتى منطقة الجعليين أي من مقرات إلى شندي.
وبإسقاط الرأي الأول وبيان ضعف الرأي الثاني يبقى لنا الرأي الثالث وهو الذي يقول بان الأبواب هي المنطقة بين بداية الشلال الرابع وبداية الشلال الخامس جنوب مقرات. وفي الواقع أن هذا الرأي هو انسب الآراء وأكثرها سنداً وحجة وترجيحاً. وآية ذلك أن عدداً كبيراً من الدارسين للفترة المسيحية بالإضافة لعلماء الآثار، يجمعون عليه ويرجحونه على غيره من الآراء.
والشاهد انه لم يكن هناك موضع ثابت للحدود السياسية بين مملكتي المقرة وعلوة، ولكن المنطقة الصخرية غير المنتجة بين الشلال الرابع والشلال الخامس، يمكنها أن تمثل منطقة عازلة بطريقة فعالة. ومن ثم تبدو أهمية الأبواب في موقعها الأمني الاستراتيجي، إذ أصبحت تمثل العمق الاستراتيجي لمملكة المقرة، يلجئون إليها في حالة الهزيمة أو طلب الدعم العسكري. هذا ويستند هذا الرأي على:
أولا، الدلائل اللغوية:
فقد عرفت المنطقة بين الشلالين الرابع والخامس بألفاظ ثلاثة، كلها تدل على معنى واحد. عرفت في المهدية (1885 ـ 1898)م باسم بوغاز أبو حمد وفي فترة الفونج (1505 ـ 1821)م باسم التكاكي وهي مأخوذة من الكلمة النوبية:Tak Ka nki وتعني مضيق ضيق. كما عرفت بالأبواب في الفترة المسيحية (600ـ 1500)م وهي تسميات في معنى مضيق الماء، وكذلك في معنى خروج الماء أو انحصاره في مجرى ضيق. ومن هذا القبيل نجد (باب المندب) ويطلق المؤرخ نعوم شقير كلمة باب في وصفه لشلالات النيل. ويضيف بأنها ممرات السفن بين الشلالات.
ثانيا، البيانات والمعطيات الأثرية:
وبالرغم من قلة الدراسات الآثرة التي اهتمت بالمنطقة بين الشلالين الرابع والخامس وانطباعية بعضها، إلا أنها تعطينا رأياً أوليا هاماً في تحديد موقع الأبواب بين مملكتي المقرة وعلوة، وبالنظر إلى قطع الفخار التي قام بفحصها علماء الآثار، يتبين أن بعضها ينتمي إلى نوع فخار علوة وبعضها ينتمي إلى فخار المقرة. واستناداً على ذلك وضع العلماء منطقة الأبواب كمنطقة عازلة بين المملكتين المسيحيتين.
أتبرا.. النهر والمدينة:
ونوردها هنا لسببين: الأول يعتقد البعض أن منطقة الأبواب هي المنطقة التي تقع عند التقاء نهر أتبرا بالنيل. والثاني لان البعض ومنهم د. جعفر ميرغني يعتقد أن التسمية بها مقطع (عنجاوي) فهو يشير إلى الكلمة (أتبرا) تتكون من مقطعين أد، وبرا، حيث تعني أد بحر بلغة العنج وبرا تعني مروي في اللغة المروية القديمة فيصبح معنى الكلمة (بحر مروي).
غير أن أشهر الروايات بأن اسم أتبرا مشتق من الكلمة العربية الفصحى: التتبير وهي مشتقة من قوله تعالى (أن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون) الأعراف آية 139 وكذلك من قوله تعالى (وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا) الفرقان آية 39، فهي إذن كلمة عربية فصيحة تعني التتبير والهلاك، ويبدو أن هذا التعليل معقول وآية ذلك انه ينطبق على طبيعة ذلك النهر الموسمي والذي يأتي مسرعا مندفعا في جريانه ليخترق ارض البطانة المنبسطة الفسيحة، فيحطم كل ما يقع في مجراه من بشر وشجر وعمران. وهذا ما حدا بقبيلة الشكرية ذات اللسان العربي الفصيح أن تطلق عليه اسم (الاتبراوي) أو المحطم أو المهلك، وفيما بعد صار الاسم بعد أن حرف علما على أم المدائن عطبرة، وسلام وألف سلام يا عمران.

هناك تعليقان (2):

  1. نوفل عبدالرحيم حسن حامد17 يونيو، 2013 5:28 م

    بحثت كثيرا عن شعب العنج وكل الزي وجدته عباره عن اشارات هنا وهناك . سبب بحثي انني اعيش في مطنقه اثريه غنية بتراث العنج الذين حاربهم اجدانا الجموعية في ام درمان كما تقول الروايات الاهليه وتم طردهم الي شمال كردفان . وقد وصفوا بأنهم قوم فارعي الطول ويطلق عليهم احيانا ( العنج الطوال ) .
    لا اميل الي الروايات التي تقول بأنهم شعب من الجبه لان الجبه لم يشتهروا بالطول الفارع وايضا لا اميل الي القول القائل بأنهم عشاوا في الفترة التي سبقت القرن الخامس عشر فقط .. بل اكثر من ذلك بكثير .. فقد دلت الاكتشافات الاثرية في منطقةالنوفلاب شمال ام درمان الي رجوع حقبة هذه الاثار الي 400 عام قبل الميلاد .. وهي تؤرخ لمملكة مروي . الاثار موجوده الان وموثقه ومعلومه لدي علماء الاثار ووزارة الثقافة والاثار ولاية الخرطوم وجامعة الخرطوم والمتحف القومي
    هذا التاريخ القديم الذي يعود الي 400 عام قبل الميلاد يرجح في رايي الشخصي ان العنج قومية او شعب من شعوب النوبه

    ردحذف
  2. شوقي الزين احمد1 ديسمبر، 2013 12:07 ص

    ربما كانت اتبرا هي البجاويه ات بهر اي بحر اللبن ويعزز هذا الراي وجود اسماء بجاويه مثل شندي وهي تعني الناس العظام و مات امه وتعني المركز ووجود البشاريين والامرار في ولاية نهر النيل بكثافه وقد سكن البجا هذه المناطق منذ زمان بعيد

    ردحذف

المؤلف

صورتي
عطبرة, نهر النيل, Sudan
مؤرخ وأستاذ مادة التاريخ بالجامعات السودانية