محتويات الموقع

الأربعاء، 9 ديسمبر، 2009

عمران الجنوب : جوبا .. واو.. نموذجان لتكامل مرفق السكة حديد

"لا بديل للسكة حديد إلا السكة حديد"
عمران الجنوب : جوبا .. واو
نموذجان لتكامل أذرع المرفق المختلفة في إنهاء عزلته وتنميته


مفتتح:
كما هو معلوم فقد أسهمت سكك حديد السودان منذ نشأتها في بداية القرن العشرين وطوال العقود السبعة الأولى منه على وجه الخصوص إسهاما كبيراً ومقدراً في تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بالبلاد، ومثلت مدرسة في حقل الإدارة في مجتمع كانت البداوة من أهم خصائصه، وأحدثت من ثم انقلاباً في معايير التمدن والتحضر وأساليب العمران. وقد مكنها من القيام بذلك الدور بجانب طبيعتها القومية وخصائصها الفنية، احتكارها لسوق النقل، البري والبحري والنهري بالبلاد. وآية ذلك أن فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918)م شهدت تطوراً هاماً في حركة النقل في السودان، فقد تم دمج مصلحة البواخر والمراكب التي كانت تشرف على الملاحة النهرية مع سكك حديد السودان. وهكذا أصبحت السكة حديد بلا منازع هي أهم المصالح الحكومية وسيدتها.
ولنبدأ من البداية، فالشاهد انه لما كانت الخدمات الملاحية في السودان مرتبطة بالسكة حديد. ففي عام 1913م قامت المصلحة بالاستيلاء على البواخر في منطقة الشلال، حلفا والتي كانت تنظم الخدمة الملاحية لمسافة (360) كيلو متر بين حلفا ـ الشلال لتربط بين نظامي سكك حديد السودان وسكك حديد مصر. وهي من أقدم الخدمات وأهمها على النيل وذلك للروابط العميقة بين السودان ومصر. أما الخدمة النهرية: كريمة ـ دنقلا ـ كرمة التي كانت تنظم الملاحة النهرية لمسافة تبلغ 355 كيلو متر، فتعتبر متممة لخدمات خط : أبي حمد ـ كريمة وقد أشرفت عليها مصلحة البواخر والمراكب حتى سنة 1914م حين أدخلت في اختصاص مصلحة السكة حديد وفي عام 1918م وضعت السكة حديد يدها على آخر الخطوط الملاحية الثلاثة، وذلك حين استولت على السفن العاملة في الخط الملاحي بقسم الخرطوم والذي ظل ينظم الخدمة الملاحية بين الخرطوم وجوبا لمسافة تبلغ (1650) كيلو متراً وبذلك أصبحت الخدمة النهرية في السودان خاضعة في جملتها لإشراف سكك حديد السودان. وتضمنت قوانين ولوائح المصلحة احتكار النقل في البر والبحر والنهر. وحتى الجو لبعض الوقت. كما سيأتي ذكره. وبذلك سيطرت السكة الحديد سيطرة تامة على التطور والنمو في البلاد.
التأثيرات الثورية لمرفق السكة حديد في عمران الجنوب:
أولاً: مدينة جوبا
ظلت خدمات النقل النهري، كما أسلفنا ، تعمل كجزء مكمل للسكة حديد في نقل الركاب والبضائع في الأجزاء التي لم تمتد إليها تلك الخطوط لصعوبات طبيعية أو مالية أو فنية، كما هو الحال في جنوب القطر حيث يعد النقل النهري وسيلة الحركة والاتصال الرئيسية بين المديريات الجنوبية مع غياب السكك الحديدية وموسمية معظم الطرق التي تربط بينها، وإذا أضيف إلى ذلك بعد المسافة بينها وبين شمال القطر، خاصة المنفذ على ساحل البحر الأحمر، تتضح أسباب التخلف الذي ظل يعاني منه جنوب القطر رغم تمتعه بالأراضي الخصبة وتوفر مياه الري. وهذا في حد ذاته ابلغ دليل على أهمية المواصلات في تطوير المجتمعات. وآية ذلك أن وظيفتها لا تقتصر على حمل الماديات، بل ينقل إلى جانب ذلك الأفكار والحضارة والتمدن، وان غيابها يبرز الصورة المناقضة تماماً. ومن هنا كان توفرها وتعدد وسائلها مقياساً لتقدم الشعوب والأمم.
ويعتبر الخط الملاحي: كوستي ـ جوبا والذي يصلح للملاحة طوال العام أهم الخطوط النهرية بالسودان إذ انه يمثل شريان الحياة لمدن وقرى الجنوب، بل أن المواني النهرية تعتبر النوى التي تجمعت حولها المدن الكبرى مثل: ملكال وواو وجوبا. ومن بين مدن الجنوب تبرز أهمية مدينة جوبا على الضفة الغربية لنهر الجبل كنقطة انقطاع نقلي بين الطريق النهري والبري. فهي النهاية الجنوبية للملاحة النهرية بين شمال القطر وجنوبه. وهنالك شبكة من الطرق البرية تربطها بالنظام النقلي في كل من شرق إفريقيا وزائيري. وبوصفها مجمعاً رئيسياً لإنتاج الحبوب وقربها كأكبر مركز عمراني من الدول الأفريقية المجاورة، فقد انفردت بأهمية خاصة، وتبوأت مركزاً مرموقاً مما أدى إلى اختيارها عاصمة للمديرية الاستوائية (منجلا) في عام 1930م وعلى اثر ذلك تطورت المدينة وأصبحت مقراً للوحدات الحكومية والمؤسسات التجارية والبنوك، ومركزاً لرئاسة القوات المسلحة في جنوب القطر. وتبعاً لذلك ازداد عدد سكانها ليصل إلى (10.600) نسمة في تعداد عام (1955ـ 1956)م. وأثناء الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)م كانت الطرق الاستوائية القادمة من الجنوب والغرب تلتقي كلها في مدينة جوبا لتتجه بعد ذلك شمالاً عبر النيل الأبيض. وكانت تستخدم أصلاً لتسهيل حركة الجنود القادمين من شرق إفريقيا والكنغو.
وبافتتاح الخطوط الجوية السودانية. تحت مظلة السكة الحديد رسمياً في عام 1947م، بدأ عهد جديد في تقدم المواصلات بالبلاد فقد أقيمت السفريات المنظمة كلما تيسرت الطائرات. وكانت أكبر مساهمة للخطوط الجوية السودانية تتمثل في ربطها للعاصمة بمدن السودان الرئيسية: بورتسودان، كسلا، ملكال، جوبا، الفاشر، والجنينة، والتي كانت معزولة عن بعضها البعض بمئات الأميال. وعلى سبيل المثال فقد انخفض زمن الرحلة من الخرطوم إلى جوبا من عشرة أيام في المتوسط إلى خمس ساعات فقط، وبين الخرطوم والفاشر من سبعة أيام في المتوسط إلى أربع ساعات فقط. هذا فضلاً عن نقل البريد بين المركز والمدن الرئيسية مما زاد من كفاءة وقدرة الإدارة الحكومية والشركات التجارية. تجدر الإشارة إلى أن الخطوط الجوية السودانية انفصلت في عام 1952م عن السكة حديد وبحلول عام 1956م أصبح المرفقان عضوين في وزارة المواصلات السودانية في ظل الاستقلال.
ثانياً: مدينة واو:
حققت السكة حديد في ابريل عام 1962م حدثاً تاريخياً هاماً. وآية ذلك أنها استطاعت آنئذ أن تصل بالخط الحديدي إلى مدينة واو في مديرية بحر الغزال إحدى مديريات جنوب السودان. وبذلك أصبحت شبكة المواصلات الحديدية تمتد إلى كافة أنحاء السودان. فمزجت بذلك الشمال في الجنوب وسكبت الشروق في الغروب. وكانت بلا شك خطوة هامة في سبيل وحدة البلاد وترابطها. ان وصول الخط الحديدي إلى واو عاصمة بحر الغزال، قد مكن من إيجاد وسيلة أخرى للنقل. بجانب النقل النهري بين الشمال والجنوب من ناحية، وفي تنشيط التجارة في الجنوب من ناحية أخرى ، لا سيما وان بعد المسافة بين المدن والقرى والمناطق الزراعية وقلة المواصلات قد تسبب في إعاقة التطور الاقتصادي والتبادل النقدي بجنوب السودان. وقد أصبحت واو مركزاً لتوزيع السلع التجارية لإقليمها بعد أن كانت جوبا هي المركز التجاري الوحيد الذي يقوم بخدمة الإقليم الجنوبي. وهكذا شاركت واو مدينة جوبا بعض وظائفها النقلية. وظهرت أهمية امتداد الخط الحديدي إلى واو في العام التالي لامتداده أي في 1963م وذلك عندما توقفت الملاحة في النيل الأبيض بسبب تراكم أعشاب النيل وتعطل النقل بين كوستي وجوبا وأصبح إمداد الإقليم الجنوبي بالسلع متوقفاً أساسا على السكة الحديد.
ورغم حركة التمرد التي أعلنتها منظمة الانيانيا في عام 1962م وحرب العصابات التي شنتها، وآثارها الواضحة في خفض الإنتاج والتي كان من الممكن أن تعرض المواطنين إلى مجاعات قد تؤدي بحياتهم، إلا أن السكة حديد استطاعت أن تقوم بتوفير الضروريات للمواطنين بنقلها من أماكن الإنتاج الأخرى. كما ساعدت المصلحة في التحركات السريعة للجنود لقمع التمرد حتى يستتب الأمن ويتوفر الجو الصالح للإنتاج. وقد قامت مشاريع في الجنوب بسبب توفر المواصلات وآية ذلك إدخال زراعة الأرز في منطقة أويل كما بدء في إنشاء مصنع تعليب الفاكهة في واو، كما زاد التفكير في إمكانية تطوير منتجات الغابات وتصنيعها.
وعطفاً على ذلك كله يتضح أن السكة حديد قد لعبت دوراً كبيراً في تنمية العمران بجنوب السودان. خاصة مدينتي جوبا وواو، حيث ساهمت في انتعاشها اقتصادياً واجتماعياً، كما فتحت آفاقاً جديدة للاستثمار والتنمية بجنوب السودان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المؤلف

صورتي
عطبرة, نهر النيل, Sudan
مؤرخ وأستاذ مادة التاريخ بالجامعات السودانية