محتويات الموقع

الأربعاء، 9 ديسمبر، 2009

المك وتوتي: إكليلان على الأزرق العاتي

من أرشيف العمران
المك وتوتي: إكليلان على الأزرق العاتي


توطئة:
يلحظ المرء بعين الرضا والغبطة تصاعد وتيرة التنمية بالبلاد خاصة في مجال الجسور والطرق، والتي ينبغي ألا ينظر إليها على أنها حيطان خرصانية بل هي بمثابة عنوان للتنمية الشاملة وكائنات حية تتفرع منها فوائد واستخدامات متشابكة. فالجسر أي جسر هو أداة تواصل أنساني عميق بجانب أثره الاقتصادي كوسيلة تنشط التعامل التجاري والتسويق المحصولي بين ضفتي النهر. واجتماعيا هو بوتقة التواصل بين الأهل ووسيلة انتقالهم السلس بين موقعين حاشدين بذوي القربى. وثقافياً يعد الجسر قناة التلاقح بين أشكال وقوالب التراث والإبداع الشعبي والشاهد أن الجسر هو إطار للتنمية الشاملة. ومع شبكة الطرق المختلفة تتكامل الجسور لتخلق حياة متطورة، وتفتح أبوابا للنهوض. هذا بجانب أن الجسر هو أهم معاول تمتين الوحدة الوطنية وشحذ الولاء للأمة.
* جسر المك نمر: 2005 ـ 2008م
الكبري بموقعه هو امتداد لشارع المك نمر الفخم الأنيق واحد أجمل شوارع الخرطوم القديمة، حيث يمتد من تقاطع شارع الطابية وينتهي عند تقاطع شارع النيل عند مدخل الكبري. وتقع على جانبي (المك نمر) مباني غاية في الروعة والمعمار، أهمها في أقصى طرفه الشمالي: ( كاتدرائية القديس متى) وبجوارها مباشرة مدرسة الراهبات Sister School وعند طرفه الجنوبي مستشفى الأسنان ومن المباني الهامة المطلة على هذا الشارع مبنى اتحاد عام نقابات عمال السودان وكذلك مبنى صندوق معاشات ولاية الخرطوم.
يربط الكبري بين الخرطوم وبحري. بدأ العمل فيه في السادس من أغسطس 2005م وهو ثمرة للتعاون التجاري والاقتصادي بين السودان وتركيا. حيث قامت بتنفيذه شركة (بابي مركزي) التركية بتكلفة بلغت 27.936.494 دولاراً. ويبلغ إجمالي طول الجسر 1.154 متراً تقريباً، والجزء الحديدي منه نحو 642 متراً ويبلغ عرض الكبري 22 متراً، ويضم مسارين للحركة في كل اتجاه بعرض 8.5 أمتار لكل واحد، وتفصل بينهما جزيرة خرصانية بعرض 50سم، بالإضافة إلى ممرين للمشاة بجانبي الكبري، عرض كل واحد 1.8 متر.
وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن الكبري يوفر للحكومة سنوياً 12 مليون دولار ناتجة عن انخفاض تكلفة النقل وما تستهلكه العربات من وقود واسبيرات وخلافه، لكون الجسر هو اقرب طريق بين الخرطوم وبحري حيث يفضي مدخله الجنوبي مباشرة إلى شارع النيل والذي تقع فيه معظم الوزارات الحكومية المختلفة.
هذا وقد كشف خبراء الطرق عن وجود أخطاء هندسية (في المك نمر) تتمثل في إقامة (استوب) عند نهاية الجسر يؤدي بالضرورة إلى احتقان الحركة في الشارع، وقالوا أن التكلفة المبدئية لمعالجة هذا الخطأ الهندسي تبلغ 48 مليون دولار وهي تضاهي تكلفة الجسر نفسه.
* جسر الخرطوم ـ توتي (2007 ـ 2009)م
ـ أولا جزيرة توتي:
هي بلا شك عمران سناري يرجع عمره إلى نحو 600عام، حيث تزامن قيام الجزيرة مع قيام السلطنة السنارية في 1505م وهي أولى الحكومات الإسلامية في السودان. والشاهد انه في بداية القرن السادس عشر الميلادي وفدت جماعات من المحس إلى منطقة الخرطوم حيث استوطنوا في الخوجلاب والحلفاية وتوتي. وكانت توتي تحديداً أهم مكان تجمعوا فيه ، وهم يؤكدون دائماً أنهم من سلالة قبيلة الخزرج القحطانية. وهنالك من الدلائل ما يوحي بأنهم على صواب، وبانتقال عاصمة دولة الفونج إلى سنار، وعاصمة العبدلاب إلى قري، خلى الجو للمحس ورفقائهم الذين سكنوا حول النيل وظلوا يتكاثرون ويتوسعون فانتقل بعضهم إلى الخرطوم وبعضهم إلى بحري وأم درمان.
والحقيقة أن الجزيرة تعد احد أهم المراكز الثقافية في العهد السناري وقد ذاع صيت علمائها ومتصوفيها في سائر البلاد. وصار المحس بذلك رسل حضارة وعلم، فلا يوجد في السودان من المتعلمين آنذاك إلا وقد تعلم مباشرة أو بطريقة غير مباشرة على يد معلم أو معلمة من توتي. والشاهد أن الجزيرة أصبحت مرآة للحياة العقلية والثقافية في المجتمع السوداني إبان فترة السلطنة الزرقاء، ومن ابرز متصوفيها، أرباب العقائد، ذلك الشيخ الذي تمت على يده الخرطوم الحالية وذلك حول مسجده عند ملتقى النيلين. وقد شدت إليه الرحال طلباً لعلم التوحيد والتصوف، وبلغ عدد طلبته ألف طالب ونيف. ومن أشهر تلاميذه الفقيه خوجلي بن عبد الرحمن، وحمد ولد أم مريوم، وكذلك الفقيه محمد بن ضيف الله جد صاحب الطبقات.
تبلغ مساحة الجزيرة نحو أربعة كيلومترات مربعة ويسكنها نحو (19) ألف نسمة اغلبهم من عائلة واحدة ترجع أصولها لقبيلة المحس. وكانت توتي شبه مقفولة على سكانها الأصليين، غير أنها في السنوات الأخيرة تفتحت على كل الأجناس السودانية. وظلت توتي على مر الأيام مصدراً لإلهام الشعراء وأهل البيان. ومن أشهر من وصفوها الشاعر السوداني المبدع: التيجاني يوسف بشير (1912 ـ 1937)م الذي نظم فيها قصيدة طويلة غاية في الروعة والجمال. نورد منها هذه الأبيات:
يا درة حفها النيل واحتواها البر
صحى الدجى وتغشاك في الأسرة فجر
وصاح بين الربى الغر عبقري اغر
كم ذا تمازج فن على يديك وسحر
***
والفلك في جانبيها كالدهر ما تستقر
هذا شراع مكسر وذا شراع مفر
وزورق يتهادى، وزورق يستحرّ
يرسي ويقلع والشطء هادئ مستقر
ثانياً: جسر توتي:
يقع الجسر المعلق عند تقاطع شارع الجامعة مع امتداد شارع (أرباب العقائد) ليعبر النيل الأزرق إلى جزيرة توتي. وهو عبارة عن جسر معلق بطول كلي يصل إلى (310) أمتار وطول معلق راسي (210) أمتار فوق النيل الأزرق. ويعد الكبري الفولاذي الأول في إفريقيا والوطن العربي. بدأ العمل فيه في مارس 2007م وافتتح في مارس 2009م. أما عرض الكبري فيبلغ 7 أمتار لكل مسار وممر للمشاة بعرض 1.5 متر على كل جانب. وقد قدر عمره الافتراضي بنحو (120) عاماً والمالك هو حكومة جمهورية السودان تمثلها وزارة التخطيط العمراني بولاية الخرطوم. أما المقاول: شركة متعددة الجنسيات، والتصميم: لشركة دورمان لونق الانجليزية بالتعاون مع شركة (A &A) وتبلغ تكلفة المشروع 16.4 مليون دولار.
إن جسر توتي يعد بحق من أجمل الجسور التي تم تنفيذها في السودان من ناحية الشكل المعماري والهندسي. ويقع مدخله من ناحية الخرطوم بين قاعة الصداقة وبرج الفاتح وحسب المتخصصين في التخطيط العمراني، سيضيف الجسر الجديد بعداً جمالياً للمنطقة المعروفة في الأصل: بمقرن النيلين، حيث يلتقي كل من نهري النيل الأزرق المنحدر من بحيرة تانا في دولة أثيوبيا المجاورة شرقاً، والنيل الأبيض المنحدر من بحيرة فيكتوريا بأوغندا المجاورة جنوباً. وقد وصف الشاعر المصري: صلاح عبد الصبور هذا اللقاء الحار والاقتران الجميل بين النيلين على هذا النحو البديع الذي صدح به الفنان الراحل سيد خليفة:
هما قدران في مجرى تبارك ذلك المجرى
ويسراه على يمنى ويمناه على اليسرى
فما اقترنا وما اختلفا ولا اختصما ولا اشتجرا
وهذا الأزرق العاتي تدفق خالداً حرا
وهذا الأبيض الهادي يضم الأزرق الصدرا
والشاهد أن الجسر سيضيف الكثير للجزيرة، وآية ذلك انه سينعش الحياة بداخلها: الأراضي ستزيد قيمتها، وكذلك إيجارات العقارات. كما سيتضاعف الإنتاج الزراعي الذي اشتهرت وتميزت به الجزيرة. هذا فضلاً عن تنشيط السياحة بهذه الدرة النيلية الفاتنة الساحرة.
كما أن الجسر ليس فقط لخدمة الجزيرة، بل سيمتد إلى مدينتي بحري وأم درمان ليربط المدن الثلاثة ويسهل بالتالي حركة المواصلات، ولتصبح توتي سرهة العاصمة المثلثة مستقبلاً.
أما الجانب الحزين من هذا المشهد التنموي، فبينما ضجت الحركة من والى الجزيرة عبر الجسر، تحولت المرافئ القديمة للمعديات النهرية التي تربط الجزيرة ببقية مدن العاصمة إلى ارض يباب. فعلى مرسى (الاسكلا) قبالة الخرطوم تجمعت اعداد كبيرة من المعديات وهي خالية من الركاب وجلس أصحابها على جدارها وقد كست وجوههم الحيرة فيما سيعملون بعد أن توقف عملهم بتوقف المعديات عن العمل بعد أن هجرها الناس وتحولوا إلى سيارات النقل من الحافلات وغيرها. وقال احدهم وهو (ريس) معدية انه يعمل في المكان لأكثر من 14عاماً يكسب رزقه، ولكن بعد افتتاح الجسر أصبح بلا عمل. وأضاف: والله أنا فرحان بالجسر، ولكن مع ذلك حزين لأني فقدت عملي.. والله كريم.
الخلاصة:
والشاهد أن النيل الأزرق والنيل الأبيض ونهر النيل، لن يكونوا عقبة بعد اليوم في سبيل التواصل بين المواطنين. ولتحقيق هذا الهدف سيتم قريباً افتتاح كباري: الدباسين ليربط بين الكلاكلة والصالحة بأم درمان، والحلفاية ليربط بين بحري ومنطقة شمال أمدرمان، وسوبا ليربط بين شطري المدينة شرقاً وغرباً.
وهكذا تتواصل مسيرة التنمية في مجال الجسور والطرق تبشر بسودان جديد. تتواصل فيه مدنه وقراه، وأريافه وحواضره.. وترتبط فيه أطرافه بعضها البعض. وتحقق بذلك الوحدة الوطنية الجاذبة التي ظللنا ننشدها في ظل تنمية متوازنة وسودان ديمقراطي.. وسلام .. وألف سلام .. يا عمران.

رؤى الســــــــاعة
أبو ماضي
إني مررت على الرياض الحالية وسمعت أنغام الطيور الشادية
فطربت لكن لم يحب فؤادي كطيور ارضي أو زهور بلادي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المؤلف

صورتي
عطبرة, نهر النيل, Sudan
مؤرخ وأستاذ مادة التاريخ بالجامعات السودانية