محتويات الموقع

الأربعاء، 9 ديسمبر، 2009

هوامش إبستمولوجية

هوامش إبستمولوجية

ود تكتوك: الحياة وراء الموت
فرنسيس بيكون: أربعة أوهام وراء أخطاء البشر
وما انتفع المرء بمثل عقله *** وخير ذخر المرء حسن فعله
(أبو العتاهية):

فاتحة:
الابستمولوجية Epistemology أو مبحث المعرفة هو احد مباحث الفلسفة الرئيسية الثلاثة بجانب مبحثي الوجود Ontology والقيم Axiology وهو بلا جدال بمثابة حجر الزاوية بالنسبة لكليهما. وآية ذلك انه لا يمكن بحث الوجود وإدراكه إلا من خلاله إذ يمكن من الوقوف على خصائص الوجود العام تمهيداً لوضع نظرية في طبيعة العالم، وفيما إذا كان الوجود مادياً صرفاً أو روحياً خالصاً أو مزيجاً منهما؟ وفيما إذا كانت الأحداث الكونية تقوم على أساس ثابت أو تقع مصادفة واتفاقاً؟ وفي صفات الله وعلاقته بمخلوقاته وبالمثل فان مبحث القيم (الحق، الخير، والجمال)، يعتمد كذلك على الابستمولوجيا حيث يبحث في طبيعة هذه القيم. وهل هي مجرد معاني في العقل تقوم بها الأشياء؟ أم أن لها وجوداً مستقلاً عن العقل الذي يدركها؟.
والشاهد أن مبحث المعرفة هو مبحث محوري في الفلسفة إذ يراد به البحث في إمكان العلم بالوجود أو العجز عن معرفته؟ هل في وسع الإنسان أن يدرك الحقائق وأن يطمئن إلى صدق إدراكه وصحة معلوماته؟ أم أن قدرته على معرفة الأشياء مثار للشك؟ وإذا كانت المعرفة البشرية ممكنة وليست موضعاً للشك فما حدود هذه المعرفة؟ أهي احتمالية ترجيحية أم أنها تتجاوز الاحتمال إلى درجة اليقين؟ ثم ما منابع هذه المعرفة وما أدواتها؟ أهي العقل أم الحس أم الحدس؟ وإذا كان الإنسان يعرف فكيف يعرف أن ما عرفه هو الحقيقة؟ ما هو معيار الصدق ومحكه؟ ...الخ.
في البحث عن المعرفة:
لا جدال في أن المعرفة ظلت على مدار التاريخ هي سلاح الإنسان في صراعه المستمر ضد قوى الطبيعة بغرض قهرها وتسخيرها لمصلحته من جهة، وللحد من وطأة الجهل والفقر والمرض من جهة أخرى. وآية ذلك أن المعرفة في حد ذاتها ليست قوة وإنما القوة في استخدامها وتوظيفها، فالحقيقي، كما يزعم أصحاب المذهب البرجماني pragmatism ما يعمل Truth is what works والشاهد أن المعرفة ان لم تكن مقرونة بالعمل ليست سوى زهو وغرور علمي شاحب وتكلف ممقوت ومحبة في الظهور والادعاء. والقرآن الكريم في كثير من آياته يسخر ممن يأمر بما لا يفعل، ويعلم ولا يعمل: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم، لم تقولون ما لا تفعلون ، كمثل الحمار يحمل أسفارا) ...الخ.
والحقيقة أن التاريخ يفيدنا بأن المعرفة بدأت بسؤال أو فلنقل بدهشة. فطاليس Thales الفيلسوف الإغريقي في القرن السادس قبل الميلاد اعتبر أول الفلاسفة لأنه تساءل: ما هو هذا الكون الغامض في بدايته وفي نهايته؟ وجاء الفلاسفة بعده ليجيبوا عن سؤاله ، فكانت عشرات النظريات، انتظمت في عشرات الكتب في تفسير هذا اللغز ووضع نظرية في طبيعة هذا العالم. والشاهد انه عن طريق هذا الباب اعني باب السؤال، طرق الإنسان كثيراً من الدروب سعياً وراء العلم والمعرفة. والسؤال على صعيد العلوم الإنسانية قد يتمخض عنه أحيانا العديد من الإجابات المختلفة والتي يمكن حصرها في نوعين أساسيين: إجابة مباشرة ظريفة ونسبية. وهذا النوع من الإجابات يختلف باختلاف البشر وميولهم ومشاربهم الثقافية ومنازعهم الفكرية، وكذلك باختلاف الزمكان، والإجابة الأخرى. إجابة غير مباشرة تتسم بالعمق والحكمة وتبقى على مر الزمن حقيقة ثابتة لا تتبدل. واليك بعض النماذج:
طرح الفيلسوف برتراندرسل (1872 ـ 1970)م في إحدى مقالاته الفلسفية سؤالاً بسيطاً وربما يبدو ساذجاً لأول وهلة : (لماذا يبكي الطفل عندما يجرح نفسه ويصرخ وكأن الدنيا كلها أحزان؟ والإجابة المألوفة عن هذا السؤال : (لأنه يحس إحساسا طاغياً بالألم) . فهل هذه الإجابة شافية حاسمة؟ وإذا كانت كذلك فلماذا لا يبكي الرجل الكبير في مثل هذا الظرف؟ والشاهد أن هنالك سبباً آخر أعمق وراء صراخ الطفل وسكوت الكبير وصبره. إن الطفل الصغير الذي يجرح نفسه لأن عقله الصغير ينحصر في الحاضر، والحاضر نقطة تحول مفترضية بين زمنين، لا وجود لها إلا في عقولنا. وآية ذلك انك إذا قلت الساعة الآن هي الخامسة بالضبط ، تكون قد ارتكبت كذبة بيضاء بحسن نية، وإذ أن عقارب الساعة في تلك اللحظة تكون قد تجاوزت هذه المحطة الزمنية إلى محطة أخرى على ميناء الساعة.
أن عجز الطفل عن إدراك أن هذا الألم الذي يعاني منه إنما هو لحظة عابرة، وبرهة وجيزة، هو الذي يجعله يصرخ وكأن الحكاية كلها هذه اللحظة المؤلمة العابرة. انه بالأحرى عاجز عن إدراك فكرة الزمن وامتداده السرمدي ولقد نصح الفيلسوف الهولندي: باروخ سبينوزا (1632 ـ 1677)م أعظم الفلاسفة في العصر الحديث والذي كان من أحكم الناس حيث عاش حياته متوافقة مع حكمته، نصح الناس أن ينظروا إلى الحوادث الجارية من زاوية الخلود. وأولئك الذين يستطيعون أن يتعلموا ذلك، سوف يجدون الحاضر الأليم أكثر احتمالاً لو تغيرت زاوية النظر، إنهم يرونه برهة عابرة، ومشكلة تحل، وقناة تعبر. إن الرجل الذي تعلم الحكمة من سبينوزا يستطيع النظر إلى حياته حتى ولو كانت كلها آلاما باعتبارها لحظة عابرة في حياة الإنسانية والجنس البشري نفسه من بدايته الغامضة حتى نهايته المجهولة، ليس إلا حادثاً ضئيلاً في حياة الكون.
والشاهد انه بازدياد الحكمة تكتسب أفكارنا مجالاً أفسح في الزمكان أن الطفل يعيش في لحظته، والصبي في يومه، والرجل الكبير في عامه، والمؤرخ في حقبته. ولا يريدنا سبينوزا أن نعيش في اللحظة أو اليوم أو العام أو الحقبة وإنما في الأبدية. وأولئك الذين يتدربون على ذلك سوف يجدون انه سيزيل صفة الهلع والطمع ويحول دون الجنون الذي يجيء مع الممات. ولقد قضى سبينوزا آخر أيام حياته يروي لضيوفه أبهج القصص وأطرفها.
وهل أدلك على أوضح من ذلك؟ سئل الشيخ فرح ود تكتوك الحكيم السناري: كيف حال أخيك المريض؟ فرد، لقد توفي. وما سبب وفاته؟ أجاب الشيخ: حياته. لقد كان السائل ينتظر أن يقول له الشيخ: انه مات بسبب المرض. والحكمة في رد الشيخ تتمثل في انه يقرر حقيقة أبدية وليست نسبية أو ظرفية ما دامت الحياة هي المقدمة الكبرى للفناء، فكأنما نحن نحيا لنموت. وآية ذلك إننا جميعاً نحمل بذور فنائنا في أحشائنا.
وسئل الصحابي الجليل عبد الله بن عباس: من اعلم الناس؟ فقال كل الناس، ألا تذكرنا هذه الإجابة بقصة: فيل عميان (هندستان)؟ لقد كانوا ستة من العميان تاقوا لمعرفة الكون، فتخيروا لذلك فيلاً ضخماً ليتحسسوه، كل على حدة تباعاً من زيله وساقه وبطنه وأذنه ونابه وخرطومه فكان الفيل، بعد أن فعلوا ذلك حبلاً وشجر وحائطاً ومروحة وحربة وخرطوشاً على التوالي. فمن كان منهم اعلم بحقيقة الفيل؟ لا أحد، لكنهم مجتمعين أدركوا حقيقته.
والشاهد انه بالسؤال والدهشة ، يزداد رصيدنا من النشاط العقلي وتمتلئ أفئدتنا شيئاً فشيئاً بالحكمة. الم يصدق الفلاسفة حينما عرفوا لإنسان بأنه حيوان ذو دهشة أو حيوان مندهش؟ أو ليس من أدهش المدهشات إلا يندهش الإنسان؟ أو ليست الحياة نفسها هي سؤال يقود إلى سؤال، ودهشة تقضي إلى دهشة، وحيرة تعقبها أخرى؟ أو ليست هي أشبه بقصة ألف ليلة وليلة لها بداية وليست لها نهاية؟!.
أربعة أوهام وراء أخطاء البشر:
كثيراً ما يطرأ هذا السؤال: لماذا نخطئ ولماذا يخطئ الآخرون؟ ويطرح نفسه عبئاً جديداً على عقولنا وأفئدتنا ومن الفلاسفة الذين تصدوا للإجابة عن هذا السؤال وحسم هذه الحيرة الإنسانية في الماضي، الفيلسوف الإغريقي: أفلاطون (430 ـ 347) ق.م الذي رد هذه الأخطاء إلى خداع الحواس والتي تعتبر بجانب العقل والحدس والمداخل الحقيقية للمعرفة. ومن أين الثقة بالحواس؟ وقواها حاسة البصر وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفاً ساكناً وما هو كذلك. وترى الأشياء البعيدة صغيرة ضئيلة الحجم وهي ابعد ما تكون عن ذلك وترى السراب رياً وماءاً. وتصور لنا العين المجردة الأرض منبسطة مسطحة وهي ابعد ما تكون عن الانبساط والتسطيح.. الخ.
أما في الفلسفة الحديثة فقد كان الفيلسوف البريطاني. فرنسيس بيكون (1561 ـ 1626)م من الذين اهتموا بالإجابة عن هذا السؤال وآية ذلك انه يعتقد أن مشكلة المنطق الأولى من تتبع مصادر هذه الأخطاء ورصدها ومن ثم يقدم الفيلسوف البريطاني تحليله المشهور لهذه لأخطاء وقوامه أربعة أوهام يعتقد أنها مسئولة عنها وتقف وراءها.
أوهام القبيلة:
وهي مجموعة الأوهام والمعتقدات التي ينشأ وسطها الفرد، فهي محدودة بطبيعتها بسبب محليتها وظروف نشأتها. وهي أوهام طبيعية بالنسبة للبشر عموماً. والشاهد أن من أخطاء العقل انه إذا آمن برأي عن طريق التسليم أو من اجل لذة أو منفعة تعود عليه، نجده يسعى بكل الوسائل لتأييده وإثباته على الرغم من وجود الأدلة الكثيرة القاطعة المغايرة لرأيه، ومن أمثلة محاولة الناس إرغام غيرهم على آرائهم وإجبارهم على التفكير مثلهم القصة التي يسوقها لنا (بيكون) وملخصها أن رجلاً دخل إلى معبد وعرضت أمامه لوحات كثيرة علقها الذين نجوا من خطر الغرق في البحر بعد أن تحطمت بهم السفينة استجابة لنزورهم التي تقربوا بها إلى الإله. وطلب منه أن يعترف بعد هذا الذي شاهده بقوة الإله وجدوى النذور. فأجاب لكن أين لوحات الذين غرقوا وماتوا في البحر على الرغم من نذورهم وإيمانهم وتضرعهم؟! والشاهد أن كل الخرافات والأساطير متشابهة سواء كانت ناجمة عن الأحلام أو التنجيم أو الطيرة أو العقاب وما شابهها.
أوهام الكهف:
وهي الأخطاء التي يختص بها الفرد، لان لكل إنسان كهفاً خاصاً به يعمل على حرف أضواء الطبيعة وتغيير لونها. وهذا الكهف هو: طبعه كما كونته الطبيعة، ومزاجه أو حاله حسمه وعقله وآية ذلك أن بعض العقول مثلاً تنزع إلى التحليل وترى أوجه الخلاف والتباين في الأشياء أينما وجدت. وبعض العقول بطبيعتها تركيبة تميل إلى البناء والتركيب وترى أوجه الشبه بين الأشياء وينتمي إلى الفئة الأولى: العلماء والرسامون، بينما إلى الفئة الثانية: الشعراء والفلاسفة. وبعض العقول تميل كثيراً إلى تقدير كل ما هو قديم، وبعضها تختص بحماس كل أمر جديد، والقليل منها يستطيع الاحتفاظ بالحد الوسط، فلا تقضي على ما أوجده الاقدمون من أمور صحيحة، ولا تنظر بعين الاحتقار إلى الاختراعات الجديدة النافعة، لان الحقيقة لا تعرف تحيزاً أو تحزباً.
أوهام السوق:
وهي من الأوهام التي تروج بين الناس كنتيجة للتعامل فيما بينهم ولا سيما في الأسواق والمحال العامة. فهي تنشأ إذن من اجتماع الناس بعضهم ببعض وهم يتاجرون ويتبادلون المنافع والناس يخاطبون بعضهم بعضاً عن طريق اللغة إلى فرضت كلماتها عليهم وفقاً لعقلية أهل السوق والعامة من الناس، حيث يترتب على سوء تكوين هذه الكلمات وعدم مواقفها تعطيل شديد للعقل.
أوهام المسرح:
وهي الأوهام التي انتقلت إلينا من نظريات الفلاسفة المختلفة وتتكون نتيجة للتراكمات الفلسفية والثقافية التي يرثها الفرد من الفلاسفة والكتاب والتي لا تكون في مجملها صحيحة. فعلى سبيل المثال فان العالم كما يصفه أفلاطون ليس سوى عالم بناه أفلاطون ويصور أفلاطون أكثر من تصويره للعالم.
ويختم (بيكون) بالقول: إننا سوف لا نتقدم نحو الحقيقة مادامت هذه الأوهام لا تزال عالقة بأذهاننا مستقرة في نفوسنا، لأن الإنسان عندما يبدأ باليقينيات فإنه سينتهي بالشك ولكنه عندما يبدأ راضياً بالشك فإنه سينتهي حتماً باليقينيات.
رؤى الساعة 25 (الشابي)
عش للشعور وبالشعور فإنما دنياك كون عواطف وشعور
صيغت من العطف العميق وإنها لتجف لو صيغت من التفكير
استراحة العدد:
تزوجت اثنين لفرط جهلي وقد حاز البلا زوج اثنتين
فقلت: أعيش بينهما خروفاً انعّم بين أكرم نعجتين
رضا هذه يثير سخط تلك فما أنجو من احدى السخطتين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المؤلف

صورتي
عطبرة, نهر النيل, Sudan
مؤرخ وأستاذ مادة التاريخ بالجامعات السودانية