محتويات الموقع

الأربعاء، 9 ديسمبر، 2009

القيادة السياسية في (يوم الصافات): لا بديل للسكة الحديد إلا السكة حديد

القيادة السياسية في (يوم الصافات): لا بديل للسكة الحديد إلا السكة حديد
عمران دارفور.. نجح المرفق بالأمس القريب في انهاء عزلته التاريخية فهل يفلح اليوم إذا ما تعافى في تحقيق أمنه واستقراره؟


توطئة:
إن التاريخ عن طريق استقراء قوانينه، ليس هو علم الماضي فحسب، بل هو علم الماضي والحاضر والمستقبل. "فمدن الاحزان .. التاريخ .. مادمنا حزانى". وما يحزن كما ظللنا ننوه دائماً أن مشكلة السودان الأولى تتمثل في تراخي حبال الوحدة الوطنية. وستظل التنمية غير المتوازنة في مقدمة العوامل التي تقعد بنا عن تحقيق ذلك الحلم. ولعل من أولويات تلك التنمية المبتغاة وجود وسائط حديثة وفعالة للاتصالات والمواصلات. وآية ذلك أن هذه الوسائط تقدم أول حوافز التطور الاقتصادي، كما أنها تصبح لاحقاً حجر الزاوية في العملية الاقتصادية بأسرها. والنقل الحديدي تحديداً هو في مقدمة وسائل المواصلات التي يحتاج إليها بلد كالسودان، بحكم مساحته الواسعة ووضعه الجغرافي وطبيعة تكوين اقتصاده القائم في مجمله على الإنتاج الزراعي الرعوي. وآية ذلك لقد تركت السكة الحديد آثاراً عميقة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السودانية خلال العقود السبعة الأولى من القرن العشرين. فقد اقترن النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بنمو السكة حديد. فحدث التوسع في الزراعة وتنوعت المحاصيل وازدهر العمل التجاري وارتفعت معدلات الصادر والوارد، واطردت حركة العمران وتحركات المواطنين، كما أصبحت السكة حديد على مر الأيام أكثر المصالح إسهاما في الميزانية العامة الأمر الذي مكن الحكومة من الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين في مجال الخدمات. كالصحة والتعليم والري والمواصلات.. الخ.
استمرارية سياسة إنشاء الخطوط بعد الاستقلال (1956 ـ 1962)م
خلال الثلاثة عقود الأولى من القرن العشرين، كان قد تم الفراغ من تشييد المرحلة الأولى للسكة حديد بالبلاد، والتي انتظمتها كلها عدا الجنوب والغرب. وهذا في حد ذاته ينهض دليلاً على تلك العزلة التي عاشها الإقليمان وما تمخض عنها من آثار سالبة على وحدة البلاد وتماسكها. ومع فجر الاستقلال استمرت سياسة إنشاء الخطوط بغرض تأكيد سيادة الدولة وكوسيلة رئيسية لتنمية تلك المناطق، وتوفير خدمات النقل للمواطنين وربطهم بمناطق السودان الأخرى. وبالإضافة إلى العوامل الاقتصادية، فقد حتمت عوامل سياسية واجتماعية وأمنية ضرورة ربط غرب وجنوب السودان بشبكة سكك حديد السودان. فبدون اتصالات ومواصلات لا يمكن أن تكون هنالك حكومة قادرة وذات كفاءة بالمفهوم الحديث، هذا بجانب أن سوء المواصلات، عدا انه يقلل من فرص التنمية الاقتصادية، فإنه يؤثر سلباً على وحدة البلاد وتماسكها من الناحية الإستراتيجية.
ولقد أعطيت منطقة جنوب كردفنا وجنوب دارفور وشمال شرق بحر الغزال أولوية قصوى، لأن هذه المناطق تعتبر من أغنى مناطق السودان بالسكان، كما أن بها ثروة حيوانية كبيرة، وتتمتع بكميات من الأمطار لا بأس بها. وهكذا وفيما بين (1956 ـ 1959)م تم على أيدي المهندسين والفنيين السودانيين مد الخط الحديدي من تقاطع عرديبة شمال الرهد إلى بابنوسة بجنوب كردفان ووصل الخط الحديدي إلى نيالا بجنوب دارفور في عام 1959م منهياً بذلك تلك العزلة التاريخية التي عاشها الإقليم زمناً ليس باليسير عن بقية أجزاء القطر.
الآثار الاقتصادية والاجتماعية لامتداد خط الغرب:
مما يجدر ذكره أن دارفور وهي اكبر مناطق السودان توغلاً في الغرب. تقع في شبه عزلة اقتصادية بالنسبة لمنافذ السودان ولا يربطها بالعالم الخارجي إلا طريق درب الأربعين وبعض الطرق الأخرى التي تتجه غرباً إلى السودان الغربي: ( المنطقة الممتدة بين بحيرة تشاد والمحيط الأطلسي) أو شرقاً إلى كردفان. وقبل امتداد الخط الحديدي إلى نيالا عام 1959م كان الاتصال بين كردفان ودارفور يبدأ من رأس السكة المنتهية في الأبيض ثم يتجه إلى النهود ومنها إلى الفاشر والجنينة وما ورائها عبر طرق رديئة وموسمية. وقد حكى الجنود الذين شاركوا في حملة الجيش المصري على دارفور عام 1916م عن هول ما تكبدوه من مشاق جراء ذلك. وهكذا وبسبب تلك العزلة، ظل الاقتصاد في دارفور اقتصاداً مغلقاً لا علاقة له بالاقتصاد السوداني.
وإذا كان النمو الاقتصادي في ارض الجزيرة ودلتا القاش جاء تالياً لامتداد خطوط السكة حديد، فبدأ الانتفاع بها من الصفر، نجد أن السكة حديد الغرب في كردفان ودارفور سعت لخدمة مناطق اقتصادية اكتسبت من قبل أهميتها ومكانتها، ثم تزايد نشاطها الاقتصادي بعد وصول الخط الحديدي إليها. ولقد ظلت دارفور معزولة نسبياً عن بقية أجزاء القطر. وكان سكانها يعتمدون بشكل أساسي على منطقتهم. فينتجون ما يكفي لقوتهم ويزرعون الذرة والسمسم ويربون الماشية. فما هي الآثار التي حدثت بالمنطقة بعد وصول الخط الحديدي إليها عام 1959م؟
لا شك أن ذلك كان تطوراً ملموساً في النمو المطرد لجهاز السكة حديد أدى تدريجياً إلى نمو حركة النقل على الامتداد الغربي الممتد إلى نيالا. وآية ذلك ما شهدته المنطقة من نشاط بعد أن سهلت خدمات النقل الحديدي اتصالها ببقية أجزاء القطر مما حدا السكان لزراعة مساحات كبيرة فزاد الإنتاج ووجد طريقة إلى الأسواق. وعلى سبيل المثال أصبحت المنطقة تنتج كميات كبيرة من الفول السوداني بوصفه محصولاً نقدياً. وقد صار يشكل بالفعل أحد أعمدة تجارة السودان الخارجية. وعلى صعيد آخر عملت السكة الحديد على إنعاش الحركة التجارية في مديرية دارفور بمساهمتها في نقل إنتاجها من المحاصيل وتلبية حاجتها من السلع الاستهلاكية. وعليه فقد زادت جملة صادرتها بمعدل (231%) ووارداتها بمعدل (291%) في عام (1970 ـ 1971)م مقارنة بعام (1959 ـ 1960)م وكما تمت الاستفادة من ثرواتها بترحيلها إلى الأسواق المحلية فزاد عدد الحيوانات المصدرة بمعدل (830%) لنفس الفترة.
وفي مجال الثروة الحيوانية التي تشتهر بها المنطقة فقد ساهمت السكة الحديد مساهمة كبيرة في الاستفادة منها، وآية ذلك أن ترحيل المواشي قبل وصول السكة الحديد كان يتم عن طريق سيرها على الأقدام حتى مناطق التسويق في الأبيض وأمدرمان حيث كانت تصل في حوالي ثلاثين يوماً من نيالا إلى أم درمان منهوكة القوى من طول المسافة. ولكن بعد وصول السكة الحديد صارت ترحل بسرعة فائقة أقصاها ثلاثة أيام، حيث تصل بصحة جيدة ولا تفقد أوزانها جراء السير الطويل، ويتم بيعها ويعود أصحابها بما يحتاجونه من مواد استهلاكية واستثمار فائض أموالهم في مشاريع أخرى. وهكذا لعب هذا الخط دوراً مقدراً وكبيراً في ازدهار هذه الثروة وبالتالي في إنعاش المنطقة اقتصادياً. ويكفي أن نعلم أن عدد المرحل من المواشي عن طريق السكة الحديد قد قفز من (12103) رأس في عام (1959 ـ 1960)م إلى: (100479) رأساً في عام (1970 ـ 1971)م مما يعكس بوضوح الفوائد الجمة التي عادت على تلك المنطقة من تسويق ثروتها وفتح المجال أمامها للاستثمار والنمو الاقتصادي، وبطبيعة الحال فقد ينتج عن سهولة المواصلات أيضا قيام بعض المزارع النموذجية ومشاريع منتجات الألبان كالجبن والسمن وما إلى ذلك. وعلى سبيل المثال مزارع (الغزالة جاوزت) في مديرية دارفور.
والشاهد انه بقيام هذه الامتدادات الحديدية ازدهرت بعض المدن: كأبي زبد ونيالا والضعين وتمت فيها الحركة التجارية وبالأخص مدينة نيالا التي صارت أكبر المراكز التجارية في غرب السودان، تؤمها العربات التجارية من بلدان الغرب محملة بالبضائع. والمحاصيل لتجد طريقها للتصدير بواسطة الحديد. وكذلك صارت المدينة تمد مناطق الغرب الأخرى بالمواد الاستهلاكية: كالسكر والدقيق والملح، وتستورد معظم كمياتها بالسكة الحديد. وبازدهار الحركة التجارية في هذه المنطقة تفتحت آفاق جديدة للاستثمار.
أن امتداد الخط الحديدي إلى دارفور في 1959م، وبالرغم من مروره بمناطق متخلفة وخالية من الإنتاج، مما دفع المسئولين إلى التكهن بخسارة تشغيلية مدة عشرة سنوات على الأقل، إلا أن الناس تجمعوا حوله بسرعة، بل أن خدمات السكة حديد أصبحت بالنسبة لهم لا تمثل مرفقاً للمواصلات فحسب، بل أداة فعالة للعمران والحياة الاجتماعية. ولذلك برزت أهمية محطاته الرئيسية مثل: الدبيبات وأبي زبد وبابنوسة. كما أنه أصبح عاملاً هاماً في استقرار البدو الرحل من البقارة الذين أصبحوا يعتمدون على القطارات في معيشتهم ومدهم بمياه الشرب أسوة بما حدث بالنسبة لمحطات شرق السودان من قبل. أما مدينة نيالا فقد طغت بوظيفتها النقلية على عاصمة المديرية نفسها. وتوسع نطاق نفوذها على حساب ظهير مدينة الفاشر. والشاهد أنه باختيار نيالا نهاية للخط الحديدي، بدأت مرحلة جديدة من حياتها. وآية ذلك أنها غدت النافذة التي تطل منها دارفور على العالم الخارجي بعد عزلة طالت. ويظهر أثر السكة الحديد في نمو المدينة وتطورها من خلال الزيادة في حجم سكانها نتيجة للهجرة المتدفقة من التجار ورجال الأعمال والأيدي العاملة من داخل وخارج القطر، فوصل معدل نموها السكاني ما بين عامي (1965 ـ 1973)م إلى (9.2) نسمة وهو أكبر معدل للنمو السكاني بين مدن السودان آنذاك. وأصبحت الدبيبات البوابة الغربية لإقليم جبال النوبة وحلقة اتصال بمدينة الأبيض التي يعتمد عليها الإقليم في تمويله بالسلع الاستهلاكية.
وبازدهار هذه المدن ارتفع مستوى المعيشة فيها وتحسنت مبانيها وأنشئت بها بعض الورش لصيانة العربات وعمل كراسي البلاستيك. وعليه فإن وصول السكة حديد والذي تسبب بشكل مباشر في ازدهار هذه المدن، كانت له آثار غير مباشرة في زيادة مهارة العمال في تلك المناطق. فعلى سبيل المثال بعد أن كانت المنازل تبنى من القش أصبحت تبنى من الطوب والاسمنت والتي تحتاج إلى مهارة وخبرة أكثر من بناء المنازل بالقش. وكذلك الحال بالنسبة للعمال الذين يعملون في ورش المنطقة الصناعية بالمدينة. ومن الآثار غير المباشرة أيضاً دخول دور الترفيه والثقافة والسينما وغيرها. وكل هذه العوامل ذات آثار نفسية تنعكس في زيادة الكفاءة الإنتاجية للفرد. وقد تمت أيضا بعض الصناعات البدوية الخفيفة: كصنع الأحذية الوطنية (المراكيب) والتي كانت توزع في الماضي محلياً داخل المناطق التي تنتج فيها فقط. وقد سهلت المواصلات مهمة نقلها خارج الإقليم وأخذت تشكل بعداً تجارياً هاماً.
وعلى صعيد آخر، ساهم هذا الامتداد بطريقة غير مباشرة في إشباع جوانب روحية للفرد. وآية ذلك أنه وفر للحجاج جهداً ووقتاً طويلاً كانت تستغرقه الرحلة من والى الأراضي المقدسة. فقد كان الحجاج من تلك المناطق وغيرها من سكان السودان الغربي يتركون ديارهم قبل أشهر غير قليلة من ميقات الحج. ومن المؤكد أن ذلك يكلف جهداً ومشقة وكثيراً من الوقت كان من الممكن الاستفادة منه في الإنتاج. ولكن بعد قيام الخط الحديدي أصبح ترحيل الحجاج يتم بسهولة ويسر ويوفر لهم الكثير من الوقت والجهد. ولقد ساهم هذا الخط أيضاً في توفير الأيدي العاملة للقيط القطن المحصول النقدي الأول للبلاد آنذاك. خاصة وأن معظم العمالة الموسمية في وادي النيل تأتي من دارفور والى الغرب منها.
وفي سياق متصل، فإن دور السكة الحديد في تلك المناطق لم يقتصر على إنعاش الحركة التجارية فحسب، بل امتد إلى أبعد من ذلك. وآية ذلك أنه فتح الطريق للتفكير في قيام بعض الصناعات التي تتوفر لها المواد الخام في منطقة الغرب. ومن ذلك قيام مصنع ألبان العرب الرحل بمنطقة دار المسيرية. وعليه فإن تلك المناطق وبفضل النقل الحديدي، اتجهت إلى تصنيع منتجاتها.
وعطفاً على ذلك كله، يمكن أن القول أن سكك حديد السودان قد لعبت دوراً حيوياً بالغ الأهمية في تطوير إقليم دارفور اقتصادياً واجتماعياً. كما اعتمد عليها في استغلال وتنمية جميع موارده. وبذلك أنهت السكة الحديد تلك العزلة التاريخية الطويلة التي عانت منها دارفور وربطت عمرانها بسائر العمران السوداني.
والشاهد أن كل ذلك يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا المرفق الحيوي الهام، مؤهل -إذا ما تعافى- للمساهمة مجدداً في تحقيق استقرار وأمن إقليم دارفور وتطوير عمرانه. خاصة وان النقل الحديدي يمتاز بخصائص ومميزات لا تتوفر في وسائط النقل الأخرى. يمكن ايجازها في الأتي:
1. طبيعته القومية، فهو ينتشر في كل أجزاء السودان بلا استثناء خلافاً لوسائل النقل الأخرى والتي تحول ظروف طبيعية وجغرافية دون وصولها لبعض مناطق البلاد، خاصة في الجنوب والغرب.
2. لكونه من أرخص وسائل النقل البري وأكثرها فاعلية. وآية ذلك أن القطار الواحد قد تصل حمولته إلى (1000) طن في الرحلة الواحدة وبسرعة معقولة (50 إلى 60) كيلو متر في الساعة.
3. تنوع المنقولات: سلع سائبة، سوائل، مواد بترولية، حيوانات معدات وآليات.. الخ
4. انخفاض تكلفة التشغيل من وقود وقوى عاملة.. الخ
5. توفر عوامل السلامة نسبيا بالمقارنة مع وسائل النقل الأخرى.
ختاماً نأمل على خلفية ما أوردنا أن تتضافر الجهود الرسمية والشعبية للنهوض بمرفق السكة الحديد والعودة به إلى سيرته الأولى ناقلاً قومياً فاعلاً في كل المجالات. فلا بديل للسكة الحديد إلا السكة الحديد. في هذا البلد الفسيح المديد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المؤلف

صورتي
عطبرة, نهر النيل, Sudan
مؤرخ وأستاذ مادة التاريخ بالجامعات السودانية